عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
103
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
أمامي فلما فعلت ذلك رفع طرفه إلى السماء وقال : يا إلهي قد أصلحت ظاهرها فأصلح أنت باطنها ثم قال : انزعي ثيابي قالت معاذ اللّه قد تبت إلى اللّه وقد حصل الصفاء بعد الجفاء والأنس بعد الوحشة والاتصال بعد الانفصال والرضا بعد الغضب ثم تركها ، ثم بعد مدة وجدها حول الكعبة طائفة فأطعمته الفواكه في غير أوانها ثم غابت رضي اللّه عنها . ( لطيفة ) إنما أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بذبح ولده إسماعيل لأنه رأى عاصيا فدعا عليه فهلك ثم ثانيا ثم ثالثا فقال اللّه تعالى : كف عن عبادي أما تعلم أني رحيم بهم إن تابوا تبت عليهم ألم يخرج من أصلابهم من يوحدني فالمشيئة مشيئتي فإذا سألتني هلاك عبدي فأنا أسألك ذبح ولدك واحدة بواحدة ، ذكره ابن عباد اللّه في شرح الحكم . ( فائدة ) لما خرج يوسف عليه الصلاة والسلام من الجب أشرق نوره على جبال كنعان فعرف إخوته بخروجه فلحقوه وباعوه قال عكرمة بأربعين درهما ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما بعشرين درهما ، كذلك العاصي إذا بكى ندما أشرق نوره تحت العرش فتقول الملائكة : ما هذا النور ؟ فيقال هذا عبد خرج من جب المعصية إلى قضاء الطاعة ، وقد قدمنا في باب الخوف أن دمعة حواء صارت في البحر لؤلؤا يتقدم في سوق الجواهر كذلك دمعة العاصي إذا بكى من خشية اللّه تعالى يقول اللّه تعالى : يا ملائكتي قوموا دمعة عبدي فتقول قيمتها أن تقبل منه الحسنات فيقول اللّه تعالى قيمتها أكثر فتقول الملائكة قيمتها أن تكفر عنه السيئات فيقول قيمتها أكثر من ذلك فتقول قيمتها أن تعطيها الجنة فيقول اللّه تعالى : قيمتها أكثر من ذلك فيقولون ربنا عجزنا عن معرفة القيمة فيقول قيمتها النظر إلى وجمال وجهي . ( حكاية ) كان في بني إسرائيل عبد عصى ربه عشرين سنة ثم نظر في المرآة يوما فرأى الشيب في لحيته فقال : إلهي عصيتك عشرين سنة فإن رجعت إليك تقبلني ؟ فسمع صوتا اجتنبتنا فاجتنبناك وتركتنا فتركناك وعصيتنا فأمهلناك وإن رجعت إلينا قبلناك . ورأيت في تفسير العلائي في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام أن اللّه تعالى أنزل في صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام : من العزيز الحميد إلى من أبق من العبيد سلام عليكم هذه رسالتي إليكم بما اختصكم به من نور العلم وذكاء الفهم ، فأول ذلك أني أخرجتكم من العدم إلى الوجود واخترعت لكم الجود وأنشأت لكم الأبصار فأبصرتم والأسماع فسمعتم والألسنة فنطقتم والقلوب فعلمتم والعقول ففقهتم وأشهدتكم على أنفسكم لي بالوحدانية فشهدتم وعند الإقبال أدبرتم وبعد الإقرار أنكرتم ونقضتم عهودنا وغيرتم فلا يوحشنكم ذلك منا فإن عدتم عدنا وزدنا في الكرم وجدنا فمن عثر أقلنا ومن قطع وصلنا ومن تاب قبلنا ومن نسي ذكرنا ومن عمل قليلا شكرنا نعطي ونمنح ونجود ونسمح ونعفو ونصفح كرمنا مبذول وسترنا مسبول . عبدي انظر إلى السماء وارتفاعها والشمس أو شعاعها والأرض وأقطارها والأمواج وبحارها والفصول وأزمانها والأوقات وإتيانها وما هو ظاهر وكامن متحرك وساكن وما قرب وما هو بائن وما كان وما هو كائن ورطب ويابس وواقف وجالس ومتحرك وجامد ومستيقظ وراكع وساجد وما غاب